أبي الفرج الأصفهاني
483
الأغاني
إليها ، وتبعهم حكم وعليه فروة [ 1 ] ، فدخلوا ودخل معهم ، وصاحب المنزل يظن أنه معهم وهم يظنون أنه من قبل صاحب المنزل ولا يعرفونه . فغنّت الجارية أصواتا ثم غنّت صوتا ثم صوتا . فقال حكم الواديّ : أحسنت واللَّه ! وصاح . فقال له ربّ البيت : يا ماصّ كذا وكذا من أمه ! وما يدريك ما الغناء ! فوثب عليه يتعتعه [ 2 ] وأراد ضربه . فقال له حكم : يا عبد اللَّه ، دخلت بسلام وأخرج كما دخلت ، وقام ليخرج . فقال له ربّ البيت : لا أو أضربك . فقال حكم : على رسلك ، أنا أعلم بالغناء منك ومنها ، وقال : شدّي موضع كذا وأصلحي موضع كذا ، واندفع يغنّي . فقالت الجارية : إنه واللَّه أبو يحيى ! فقال ربّ المنزل : جعلت فداك ! المعذرة إلى اللَّه وإليك ! لم أعرفك ! فقام حكم ليخرج فأبى الرجل ؛ فقال : واللَّه لأخرجنّ ، فسأعود إليها لكرامتها لا لكرامتك . لامه ابنه على غنائه الأهزاج فأجابه : وذكر أحمد بن المكيّ عن أبيه : أنّ حكما لم يشهر بالغناء ويذهب له الصّوت [ 3 ] به حتى صار الأمر إلى بني العباس ؛ فانقطع إلى محمّد بن أبي العباس أمير المؤمنين وذلك في خلافة المنصور ؛ فأعجب به واختاره على المغنّين وأعجبته أهزاجه . وكان يقال : إنه من أهزج الناس . ويقال : إنه غنّى الأهزاج في آخر عمره ، وإن ابنه لامه على ذلك ، وقال له : أبعد الكبر تغنّي غناء المخنّثين ! فقال له : اسكت فإنك جاهل ، غنّيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت ، وغنّيت الأهزاج منذ سنيّات فأكسبتك ما لم تر مثله قطَّ . شهد له يحيى بن خالد بجودة الأداء : قال هارون بن محمد وقال يحيى بن خالد : ما رأينا فيمن يأتينا من المغنّين أحدا أجود أداء من حكم . وليس أحد يسمع [ 4 ] غناء ثم يغنّيه بعد ذلك إلا وهو يغيّره ويزيد فيه وينقص إلا حكما . فقيل لحكم ذلك / فقال : إني لست أشرب ، وغيري يشرب ، فإذا شرب تغيّر غناؤه . استكثر المنصور ما كان يعطاه من هدايا ثم عدل عن رأيه : أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال : كان خبر حكم الواديّ يتناهى إلى المنصور ويبلغه ما يصله به بنو سليمان بن عليّ ، فيعجب لذلك ويستسرفه ويقول : هل هو إلا أن حسّن شعرا بصوته وطرّب مستمعيه ، فماذا يكون ! وعلام يعطونه هذه العطايا المسرفة ! إلى أن جلس يوما في مستشرف له ، وقد كان حكم دخل إلى رجل من قوّاده - أراه قال : عليّ [ 5 ] بن يقطين أو أبوه - وهو
--> [ 1 ] الفروة والفرو : شيء نحو الجبة يبطن من جلود بعض الحيوان كالأرانب والثعالب والسمور . [ 2 ] كذا في ح . وتعتعه : تلتله وحركه بعنف . وفي سائر الأصول : « يتعنفه » وهو تحريف . [ 3 ] في ب ، س : « الصيت » . والصوت والصيت الذكر الحسن الذي ينتشر بين الناس . [ 4 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « وليس أحد يسمع منه غناء . . . إلخ » . والظاهر أن كلمة « منه » مقحمة . [ 5 ] كان يقطين بن موسى البغدادي من وجوه الدعاة ، وطلبه مروان فهرب . وابنه علي بن يقطين ولد بالكوفة سنة أربع وعشرين ومائة . وهربت أم علي به وبأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة . فلما ظهرت الدولة الهاشيمة ظهر يقطين وعادت أم علي بعلي وعبيد . فلم يزل يقطين في خدمة أبي العباس وأبي جعفر المنصور ، وكان مع ذلك يرى رأي آل أبي طالب ويقول بإمامتهم ، وكذلك ولده ، وكان يحمل الأموال إلى جعفر بن محمد بن علي والألطاف . ونم خبره إلى المنصور والمهدي فصرف اللَّه عنه كيدهما . وتوفي علي بن يقطين بمدينة السلام سنة 182 ه وسنه 57 سنة وصلى عليه ولي العهد محمد بن الرشيد وتوفي أبوه بعده في سنة 185 ه ( عن « فهرست ابن النديم » ) .